تكتب الباحثة د. جولي نورمان، الزميلة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن الحرب مع إيران دفعت ملف غزة إلى الهامش بشكل حاد، بينما تتدهور الأوضاع الإنسانية والسياسية داخل القطاع في ظل غياب أي ضغط دولي حقيقي على إسرائيل أو حركة حماس لدفع اتفاق وقف إطلاق النار إلى الأمام.


يقدّم مركز تشاتام هآوس هذا التحليل الذي يوضح كيف أعادت التحولات الإقليمية ترتيب الأولويات الدولية، لتبقى غزة عالقة في حالة فراغ سياسي متزايد، بينما تتوسع الفجوات بين الأطراف وتضيق فرص الحلول المرحلية أو النهائية.


تراجع أولوية غزة وتجميد مسار التهدئة

 

تتراجع مكانة غزة على أجندة الفاعلين الدوليين مع انشغال العالم بالحرب مع إيران، بينما تتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل متسارع داخل القطاع. يتآكل مسار وقف إطلاق النار الذي طرحته الإدارة الأميركية ضمن خطة من عشرين نقطة، مع تعثر الانتقال إلى مرحلته الثانية بسبب الخلاف حول نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي.


تستغل الأطراف غياب الضغط الخارجي لإعادة تثبيت مواقفها؛ فحماس ترفض أي نقاش حول نزع السلاح قبل تنفيذ كامل المرحلة الأولى من الاتفاق، بما يشمل دخول المساعدات الإنسانية بالمستويات المتفق عليها. في المقابل، ترفض إسرائيل تقديم التزامات واضحة بالانسحاب أو تخفيف الإجراءات العسكرية، ما يخلق حالة من الجمود السياسي الممتد.


تتعقد الصورة أكثر مع غياب أي أفق سياسي حقيقي يمنح حماس دوراً في مستقبل الحكم الفلسطيني، بينما تظل إسرائيل متمسكة باستبعاد الحركة من أي صيغة سياسية قادمة، حتى في حال منح بعض عناصرها عفواً فردياً مقابل التخلي عن السلاح.

 

حماس وإسرائيل: تثبيت الواقع بدل التقدم نحو السلام

 

تستقر الأوضاع على أرض الواقع نحو تثبيت الوضع القائم بدل دفع مسار الحل. ترفض حماس نزع سلاحها في ظل غياب دولة فلسطينية أو مسار سياسي واضح، بينما ترى أن أي تنازل دون ضمانات سيقود إلى فقدان قدرتها على البقاء.


تتزايد التعقيدات مع دعم إسرائيل مجموعات مسلحة محلية مناهضة لحماس داخل غزة، وهو ما يعمّق الانقسام الداخلي ويزيد من العنف داخل مناطق مدنية مكتظة، حيث يعيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت ضغط عسكري وإنساني شديد.


تستمر إسرائيل في تكريس سيطرتها على أجزاء واسعة من القطاع، حيث يسيطر الجيش على أكثر من نصف غزة وفق ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، مع توسع مناطق النفوذ العسكري بشكل غير رسمي. تتجه هذه المناطق إلى التحول إلى حدود دائمة بحكم الأمر الواقع، ما يضعف أي إمكانية لانسحاب مستقبلي شامل.


تتكرس سياسة “المناطق العازلة” كنهج إسرائيلي طويل الأمد في غزة وسوريا ولبنان، بينما تعيد التجربة إنتاج نفسها في سياق أكثر تعقيداً بعد هجمات السابع من أكتوبر.


تعثر الحكم الانتقالي وتفاقم الأزمة الإنسانية

 

يتعطل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة انتقالية كان يفترض أن تتولى إدارة القطاع بشكل مؤقت، ما يؤدي إلى فراغ إداري متزايد. تبقى اللجنة متمركزة خارج القطاع، بينما تُمنع من الدخول، الأمر الذي يضعف أي محاولة لبناء إدارة فلسطينية بديلة لحماس.


تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تراجع المساعدات وارتفاع الأسعار ونقص الغذاء، بينما تنتشر الأمراض نتيجة تلوث المياه وتراكم النفايات وانهيار البنية الصحية. يعيش السكان في ظروف تزداد قسوة مع غياب أي خطة واضحة لإعادة الإعمار أو إعادة تشغيل الخدمات الأساسية.


يتراجع دور السلطة الفلسطينية في القطاع بشكل كبير، بينما يغيب أي إطار حكم مستقر، ما يعزز حالة الفوضى ويمنح حماس مساحة إضافية للبقاء كفاعل رئيسي رغم الضغوط العسكرية والسياسية.


تستمر الحرب في إيران ولبنان في إعادة تشكيل الحسابات الإقليمية، حيث تتصلب مواقف حماس مع صمود حلفائها، بينما تعزز إسرائيل توجهها نحو الحسم الأمني وتأجيل أي مسار تفاوضي يتعلق بتقرير المصير الفلسطيني. وفي المقابل، ينشغل الوسطاء الدوليون بملفات أخرى، ما يترك غزة في حالة فراغ استراتيجي خطير.


تحذر الباحثة من أن استمرار هذا الإهمال الدولي سيعمّق الكارثة الإنسانية ويفتح الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة، بينما يبقى إدراج غزة مجدداً على جدول الاهتمام الدولي شرطاً أساسياً لمنع انهيار أوسع في الإقليم.

 

https://www.chathamhouse.org/2026/05/iran-war-has-left-gaza-neglected